الجصاص
221
الفصول في الأصول
قيل الحقيقة : ما وصفنا ، وهذا مجاز ، لا يصرف اللفظ إليه إلا بدلالة ، وأما قوله تعالى : ( لمن كان يرجو الله ) فلا دلالة فيه على ما ذكره ، لأن معناه لمن كان يرجو ثواب الله ، أبان به عن استحقاق الثواب بالتأسي به ، واستحقاق الثواب بالفعل لا يدل على الوجوب ، لأن الندب يستحق الثواب بفعله ، ولا يدل على وجوبه . وأما تأويل من تأوله على معنى : يخاف الله واليوم الآخر - غلط ، لأن الرجاء غير الخوف في اللغة . ألا ترى أنك نقول : أرجو الثواب ، ولا تقول : أرجو العقاب . وإنما تقول : أخاف العقاب ، وقال تعالى : ( 1 ) ( ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) ( 2 ) ، فالرجاء يتعلق بضد ما يتعلق به الخوف ، فغير جائز حمله على غير الحقيقة ، وصرفه إلى ضد موجبه . وأيضا : لو دل على الوجوب لما دل على موضع الخلاف ، لأنه كان حينئذ يقتضي وجوب التأسي به ، ( 3 ) ليكون ( 4 ) فعلا ( 5 ) مساويا لفعله في الحكم ، فإذا لم أعلم أن فعله على جهة الوجوب ، ثم فعلته أنا على وجه الإيجاب ، فليس ذلك تأسيا به . وأيضا : فإن التأسي بالنبي عليه السلام طاعة ، وإذا فعله هو ندبا أو إباحة وفعلته أنا على الوجوب فقد خالفته ، ومخالفته ليست بطاعة . وأيضا : فلما كان معلوما تعذر التأسي به في كل أفعاله ، لأن ذلك يوجب لزومه في سائر أحواله ، وذلك ممتنع ، صار ما بدر إليه من التأسي به متعلقا ببعض أفعاله ، لاستحالة اعتقاد العموم فيه . فصار تقديره : لكم التأسي به في بعض أفعاله ، فيحتاج إلى دلالة أخرى غير اللفظ في إثبات الوجه الذي يتأسى به فيه . فإن قيل : قوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) ( 6 ) يدل على : أن ما فعله يجب علينا فعل مثله ، لأنه ما أني به الرسول عليه السلام ، ولأنه لا فرق بين قوله : ( ما آتاكم الرسول ) وبين ( 7 ) لو قال : ما أتي الرسول به فخذوه ، كما لا فرق بين قوله : ( ما نهاكم عنه )